سيد محمد طنطاوي
385
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والتقدير : وحق هذه المخلوقات لتعذبن - أيها الكافرون - كما عذب الذين من قبلكم ، مثل عاد وثمود وفرعون . قال الجمل : فإن قلت : ما فائدة قوله - تعالى - : * ( هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ) * . بعد أن أقسم - سبحانه - بالأشياء المذكورة ؟ قلنا : هو لزيادة التأكيد والتحقيق للمقسم عليه ، كمن ذكر حجة باهرة ، ثم قال : أفيما ذكرته حجة ؟ . وجواب القسم محذوف ، أي : لتعذبن يا كفار مكة ، وقيل هو مذكور وهو قوله : * ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) * ، وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه ، أي لنجازين كل أحد بعمله . . « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - على سبيل الاستشهاد ، ما أنزله من عذاب مهين ، بالأقوام المكذبين . فقال - تعالى - : * ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ) * . والاستفهام في قوله : * ( أَلَمْ تَرَ . . ) * للتقرير ، والرؤية : علمية ، تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف ، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية ، لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين . . والمراد بعاد : تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم ، والتي كانت تسكن الأحقاف ، وهو مكان في جنوب الجزيرة العربية ، معروف للعرب ، قال - تعالى - : وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَه ، واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عوص ، بن إرم ، بن سام ، بن نوح - عليه السلام - فقوله - تعالى - : * ( إِرَمَ ) * عطف بيان لعاد ، لأنه جده الأدنى . وقوله - تعالى - : * ( ذاتِ الْعِمادِ ) * صفة لعاد ، و « ذات » وصف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة ، سمى أولاده باسمه ، كما سمى بنو هاشم هاشما . والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى ، التي أرسل اللَّه - تعالى - إليهم هودا - عليه السلام - . وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم . . وقد جاء الحديث عنهم كثيرا في القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً . . . وقوله - سبحانه - : * ( الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ) * صفة أخرى لقبيلة عاد . والمعنى : لقد وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - بصورة يقينية ، خبر قبيلة عاد ، التي جدها الأدنى « إرم بن سام بن نوح » والتي كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة ، ترفع عليها
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 530 .